محمد جواد مغنية

152

التفسير الكاشف

كهؤلاء اليهود الذين رفضوا الاعتراف بمحمد لا لشيء إلا لأنه عربي ( 1 ) . ( بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ) . يستعمل القرآن الكريم كثيرا لفظ البيع والشراء والتجارة في العمل الصالح والطالح . . ذلك ان الإنسان إذا آمن وعمل صالحا فكأنه قد دفع الثمن لخلاص نفسه ونجاتها وإذا كفر وانحرف لمنفعة عاجلة فكأنه قد باع نفسه للشيطان بأنجس الأثمان . . واشتروا هنا بمعنى باعوا ، أي ان اليهود باعوا أنفسهم للشيطان ، وألقوا بها إلى التهلكة ، ولا ثمن لنفوسهم الهالكة إلا الحسد والتعصب للجنسية اليهودية . . ولذا قال سبحانه : ( بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) . أي كفروا بمحمد ( ص ) لا لشيء إلا لأنهم يريدون أن يحصروا الوحي والفضل فيهم وحدهم ، ولا يقبلون من اللَّه ، ولا من غيره إلا ما يوافق أهواءهم ومنافعهم . . فهم - إذن - يستحقون عقابين وغضبين : عقابا على كفرهم ، وآخر على أنانيتهم وتعصبهم . ( وإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ) . أي آمنوا بالوحي من حيث هو وحي بصرف النظر عن شخصية المبلَّغ ونسبه ، لأن الرسول ما هو إلا وسيلة للتبليغ ، أما شرطكم للايمان بالوحي أن ينزل على شعب إسرائيل فقط ، وإذا أنزل على غيره فلا تؤمنون به - أما هذا الشرط فيكشف عن عدم ايمانكم بالوحي كمبدأ ، بالإضافة إلى أنه تحكم على اللَّه وتقييد لإرادته بأهوائكم ، ومعنى هذا انكم تريدون من اللَّه أن يخضع لكم ، وتأبون الخضوع له . ( قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ) . وهذا اعتراف صريح بأنهم لا يؤمنون ، ولن يؤمنوا إلا بالوحي على شريطة أن ينزل عليهم ، ولا يؤمنون بما ينزل على غيرهم ، ولو قام عليه ألف دليل ودليل . ( قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) . ولا إلزام أقوى وأبلغ من الإلزام بهذه الحجة . . أي قل يا محمد لليهود : أنتم كاذبون في زعمكم ودعواكم الايمان بخصوص الوحي المنزل على شعب إسرائيل ، بل أنتم لا تؤمنون

--> ( 1 ) هذا ما ذكره المفسرون تمشيا مع ظاهر الآية ، ويأتي قريبا عند تفسير الآية 96 بيان السبب الحقيقي لكفرهم بمحمد ( ص ) وانه المنفعة الخاصة ، والكسب عن طريق الدعارة والغش والربا ، وما إلى هذا مما حرمه الإسلام .